عن التلفزيون الأردني


يتعرض التلفزيون الأردني، منذ فترة ليست بالقليلة، إلى حملة من النقد، ازدادت حدتها مع وقوع الأحداث الأخيرة في مدينة الكرك، وتم توجيه اللوم الى إدارة التلفزيون، واتهامها بالتقصير بعدم قيامها بتغطية ما يحدث، وخاصة خلال اليوم الأول من الأحداث، مقارنة مع ما قامت به المحطات الفضائية الأخرى.
وأود الإشارة الى أنه ليس من العدل تحميل إدارة التلفزيون وحدها المسؤولية الكاملة عن هذا التقصير، فهناك أسباب أخرى أسهمت، وما تزال، الى حد كبير في تدني مستوى أداء التلفزيون الأردني، وفي مقدمتها السياسات الاعلامية الحكومية التقليدية التي مضى عليها ردح من الزمان، ولم تستطع مواكبة المستجدات والتطورات في صناعة الاعلام، التي أفرزتها الثورة الثالثة (ثورة المعلومات والمعرفة) وموجة العولمة التي ما نزال نعيشها في أيامنا هذه.
واليوم تتبدى واضحة النتائج السلبية لهذه السياسات من خلال مستوى أداء لا يحظى برضا المشاهد الأردني، وتوجهه نحو المحطات التلفزيونية الأجنبية لمتابعة أخبار ما يجري في الأردن، وتسرب الكفاءات الأردنية العاملة في تلفزيوننا الوطني الى المحطات الفضائية الأخرى التي تبث من داخل الأردن وخارجه.
ويمكن النظر بعين الاعتبار للجوانب التالية، التي قد تسهم في تحسين مستوى أداء التلفزيون الأردني:
1. استقلال القرار الإعلامي لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون:
لا أحد من المطلعين على آلية عمل المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون بشكل عام، والتلفزيون الأردني بشكل خاص، يستطيع أن ينكر حقيقة أن رأس هرم الاعلام (وزير الاعلام، وزير الدولة لشؤون الاعلام ... الخ) ومنذ أمد بعيد، هو صاحب القرار الأول والأخير بكل ما يتعلق بعمل الإذاعة والتلفزيون في مختلف المجالات، وعلى وجه الخصوص فيما يتم بثه أو عدم بثه من اخبار، ومن هي الشخصيات التي يجب استضافتها وتلك التي يجب استبعادها، وغير ذلك، باعتبار أن التلفزيون هو التلفزيون الرسمي للدولة، المعبّر عن سياستها. وقد أدى ذلك، وفي مناسبات عديدة كانت أحداث الكرك آخرها، الى تأخر التلفزيون عن مواكبة أحداث هامة، داخلية وخارجية، لأنه لا توجد لدى الادارة تعليمات للتعامل مع الحدث. ومن أجل التخلص من حالة في تعليمات / ما فيش تعليمات يجب أن يقوم مجلس إدارة مؤسسة الإذاعة والتلفزيون بإعادة النظر في استراتيجية المؤسسة، إذا كان هناك مثل هذه الاستراتيجية، أو وضع واحدة في حالة عدم وجودها، وكذلك العمل على وضع استراتيجية واضحة خاصة بالتلفزيون الأردني استنادا على استراتيجية المؤسسة العامة، قادرةٍ على التعامل مع المتطلبات الإعلامية العالمية، والاستجابة للمنافسة الحادة في صناعة الاعلام التي تتطلب من بين ما تتطلبه حرية وسرعة في اتخاذ القرار. كما يجب تفويض رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون صلاحية اتخاذ جميع القرارات الخاصة بعمل التلفزيون، بما في ذلك قرارات البث، والاستضافة، وغيرها، باعتبار أن رئيس وأعضاء مجلس الإدارة هم أشخاص يمكن الاعتماد عليهم، فهم معينون من قبل الحكومة، ودرجة الثقة بهم مرتفعة، ولديهم من النضج الإعلامي ما يؤهلهم ليكونوا قادرين على التعامل مع المواقف واتخاذ القرارات، بعيدا عن الوزير المسؤول عن الاعلام.
كما يجب تفعيل حق مجلس إدارة المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون في اختيار وتعيين المدير العام والموظفين، واستبعاد تدخل رئيس الوزراء، أو أي جهة أخرى في عملية التعيين، مع ضرورة أن تتم عملية التعيين وفق الأسس المهنية والعلمية والموضوعية والعدالة. وفي هذا المقام يجب إيضاح أن منح التلفزيون استقلالية القرار الإعلامي لا يحول دون كونه تلفزيون الوطن.

2. الاستقلال الإداري لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون:
يعيش التلفزيون الأردني حالة شديدة غير مسبوقة من المنافسة في ظل وجود هذا العدد الهائل من الفضائيات، وخاصة العربية منها. التي استطاعت ليس جذب المشاهد الأردني فقط، وإنما أيضا الكفاءات الأردنية. فقد تحول التلفزيون الأردني الى مؤسسة طاردة للكفاءات، مما أدى الى تدني مستوى أدائه، وهو ما أدى بدوره الى طرد المشاهد الأردني. ومن أجل معالجة هذا الخلل، وكي يكون التلفزيون قادرا على المنافسة، فإنه يجب القيام وبالسرعة القصوى بإعادة تحويل المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون إلى مؤسسة مستقلة خارج نظام الخدمة المدنية، على أن يتم وضع نظام خاص بها يحدد أسس التعيين، والترفيع، والترقية، والرواتب وغير ذلك. فاختيار العاملين في التلفزيون من خلال مخزون ديوان الخدمة المدنية، وتطبيق نظام الخدمة المدنية على العاملين في التلفزيون هو أمر لا يتناسب مع طبيعة عمل هذه المؤسسة، لأن عمل التلفزيون عمل تنافسي يقوم على الابداع، مما يتطلب استقطاب الكفاءات الإعلامية ذات الخبرة والمعرفة، والعمل على تدريبها وتطويرها وتنميتها وإدامتها والاحتفاظ بها، وبرواتب تتناسب وتلك المهارات والخبرات ومتطلبات العمل التلفزيوني، وهو أمر لن يتحقق طالما أن المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون تخضع لنظام الخدمة المدنية. ومقابل هذه الاستقلالية، تخضع جميع الإجراءات الإدارية للمؤسسة الى جهة رقابية.
3. الاستقلال المالي لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون:
إن التلفزيون الأردني، إذا تم استثناؤه من نظام الخدمة المدنية، وأصبح مؤسسة ذات استقلال اداري ومالي، وإذا قـــُــيضت له القيادة الإدارية المؤهلة، يستطيع تمويل نفسه بنفسه، ومن ثم الاستغناء عن موازنته المخصصة له من الدولة بعد انقضاء فترة محددة من منحه الاستقلال المالي، وذلك من خلال توليد موارد مالية خاصة به عبر ممارسة العديد من الأنشطة المرتبطة بعمله. كما يتطلب الأمر اتخاذ قرار يقضي بعدم قيام التلفزيون بتحويل عوائده المالية التي يجنيها من أنشطته إلى وزارة المالية، وأن يتم تحويل رسم التلفزيون كاملا الذي يدفعه المواطنون الى مؤسسة التلفزيون مباشرة للاستفادة منه وليس الى وزارة المالية أو الى أي جهة أخرى، على أن تخضع جميع الأنشطة المالية الخاصة بالتلفزيون الى رقابة ديوان المحاسبة.
4. إعادة هيكلة التلفزيون الأردني وترشيقه:
يتصف الهيكل التنظيمي للتلفزيون الأردني بأنه هيكل تنظيمي جامد ضعيف، كما تعاني إدارة التلفزيون من حمولة زائدة من الموظفين، وبشكل محدد من الإداريين، مما كان يشكل، وما يزال، عبئا ماليا واداريا على هذ المؤسسة. وبالتالي، يجب العمل على إعادة هيكلة المؤسسة وصولا الى هيكل تنظيمي مرن قوي، وخفض أعداد العاملين من خلال إنهاء خدمات المستحقين للتقاعد، وتوزيع الفائض من العاملين، وبخاصة من الوظائف المساندة، على الدوائر الحكومية الأخرى وإعادة تأهيلها للاستفادة منها هناك، وهو ما سيساعد إدارة التلفزيون الأردني على تكريس الموارد التي كانت مخصصة لهؤلاء للإنفاق في أوجه أخرى تعود بالفائدة عليه كتحديث معداته، وتدريب وتطوير كوادره الإعلامية.
لقد كان التلفزيون الأردني في زمن مضى مؤسسة للتعليم والتعلم، يفد إليه العاملون في تلفزيونات الدول العربية للتعلم من خبراته وتجاربه، ونأمل أن يعود إليه ألقه وبريقه ذات يوم.



المصدر جراسا نيوز

التعليقات


إضافة تعليق
التعليقات تخضع للرقابة قبل نشرها

آخر الأخبار

الأكثر قراءة