الخوف من الله (1)

بالخوف يستيقظ القلب من غفلته وينتفع بالإنذار ويتأثر بآيات القرآن من فقد الخوفَ من الله خاض في المعاصي ووقع في الشبهات

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري
إنّ الخوف من الله تعالى من أجل العبادات ومن أعظم القربات فهو الذي يحول بينكم وبين محارم الله عز وجل ومعاصيه فلله ما أعظمه، ولله ما أحوجنا إليه ولله ما أحسن عاقبته في الدنيا والآخرة إذ بالخوف يا عباد الله ينزع العبد عن المحرمات وبه يقبل على الطاعات فهو والله أصل كل فضيلة وباعث كل قربة.
وبالخوف أيها المؤمنون يستيقظ القلب من غفلته وينتفع بالإنذار ويتأثر بآيات القرآن قال الله تعالى:(مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى), وقال سبحانه:(اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ).
آيات عن الخوف
إن الخوف من الله تعالى هو من أخص صفات عباد الله المتقين وأوليائه المحسنين: قال الله تعالى:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً)، قال الإمام الطبري: المؤمن هو الذي إذا ذكر الله وجل قلبه وانقاد لأمره وخضع لذكره خوفاً منه وفرقاً من عذابه، وقد ذكر في القرآن الكريم آيات عن الخوف منها، قال الله تعالى:(فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) (آل عمران ـ 175)، وقال تعالى:(فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) (آل عمران ـ 175)، وقال عزوجل:(وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون) (النحل ـ 51)، وقال سبحانه وتعالى:(فلا تخشوا الناس واخشون) (المائدة ـ 3)، وقال تعالى:(والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) (المؤمنون ـ 60)، وقال الله تعالى:(إنما يخشى الله من عباده العلماء) (فاطر ـ 28)، وإذا سكن الخوفُ من الله في القلبِ أحرق مواضعَ الشهوات فيه، وطرد حُبَّ الدنيا عنه، وكلُّ قلبٍ ليس فيه خوفٌ من الله فهو قلب خَرِب، ومن فقد الخوفَ من الله خاض في المعاصي، وتملكته الشهوات، ووقع في الشبهات، وأكل الحرام، وارتكب الكبائر، عن المنكر، إذا فارقَ الخوفُ القلوبَ أجدبت، ثم اسودت وأظلمت وقست وتحجرت، فلا تتأثرُ بموعظة، ولا تنتفع بتذكرة؛ فما الخوف من الله إلا مفتاحٌ يفتح الله به قلوباً غُلفا، وأعيُناً عُميا، وآذَاناً صُمَّا.
لقد أمر الله ـ جلّ وعلا ـ بالخوف منه، وأثبت الإيمان للخائفين، فقال تعالى:(إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران ـ 175).
عناية السلف الصالح بهذا الأمر
لقد تكلم السلف عن الخوف من الله، فهذا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ يقول: لو نادى منادٍ من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحداً لخفت أن أكون أنا هو، وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه، وأدوا فرائضه الجنة، وبكى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ في مرض موته، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أما إني لا أبكي على دنياكم هذه، ولكن أبكي بُعْد سفري وقلة زادي، وإني أمسيت في صعود على جنة أو نار، لا أدري إلى أيتهما يُؤخذ بي!!، وقال عبد لله بن مسعود ـ رضي الله عنه: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه جالس في أصل جبل يخشى أن ينقلب عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه، فقال به هكذا، وقال ذو النون: الناس على الطريق ما لم يَزُل عنهم الخوف، فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق، وقال الحسن: الرجاء والخوف مطيتا المؤمن. وقال عمر بن عبد العزيز: من خاف اللهَ أخاف اللهُ منه كلَّ شيء، ومن لم يخف اللهَ خاف من كل شيء، وقال أبو سليمان الداراني: إن أصل كل خير في الدنيا والآخرة الخوف من الله عزّوجل وكل قلب ليس فيه خوف فهو قلب خرب، وقال الغزالي: إن الرجاء والخوف جناحان، بهما يطير المقربون إلى كل مقام محمود، ومطيتان بهما يقطع من طرق الآخرة كل عقبة كئود، وقال أبو علي الروذباري: الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير، وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهب صار الطائر في حد الموت .. وغيرها من الأقوال والآثار الجميلة.
لماذا أولئك خافوا من الله؟
لأنهم عرفوا الله حق المعرفة، قال تعالى:(وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر ـ 67)، ولأنهم أحبوا الله ـ جلّ وعلا ـ فمَلَكَ قلوبَهم، يقول ابن القيم: من عرف ربه أحبه كيف لا؟! وهو المُنعم وإليه المشتكى وبيده مقاليد السماوات والأرض، فأي حُبٍ ينبغي أن يكون؟!، أمَّا من صرف حُبَّهُ للأموال والدنيا وأحوالها، فقد وقع في الفتن، وملكَتْ شغافَ قلبه، وأشغلته عن حبِّ الله ورجائِهِ والخوفِ منه.


المصدر جريدة الوطن العُمانية

التعليقات


إضافة تعليق
التعليقات تخضع للرقابة قبل نشرها