تكاثر البشرية وتراجع الإنسانية

” إن قضية إنسانية الإنسان وسبب امتيازه وتفضيله, قضية مهملة أو مغيبة لدى ثقافة حقوق الإنسان. تلك القضية التي تبدأ بإنارة العقل وإضاءة الروح، فالعناية بهذا الكائن البشري أولى وأهم من العناية بحقوقه، لأنها أضيفت له واستحقها لكونه إنسانًا، وليس لأنه أحد الكائنات الأخرى، وإلا لوجب التحدث بنفس المنطق وبنفس الدرجة عن حقوق الحيوان، وحقوق الحيتان، وحقوق الشجر.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
في غمرة ما تشهده بعض دول العالم من إجرام وإرهاب وتدمير وتخريب لمقومات الحياة العامة وقتل الإنسان لأخيه الإنسان, لا ريب أن مثل هذه السحب السوداء الملبدة تشكل حالة من الذهول بل وتطرح جملة تساؤلات حول مصير الشعوب حاضراً ومستقبلاً، بالإضافة الى ما ينتظر التطور العلمي والتقني والمعرفي الذي بدأ التخلف يحاول النيل منه بهدف العودة الى الوراء وطمس هوية التقدم، وما هو مصير الإنسان الذي بات في حالة ضياع بين وجوده ولا وجوده بسبب المفاهيم المتناقضة التي تطاله.
إن الإنسان جوهر الحياة والعقل المدبّر لقيادة مدبرات الأرض, وقد حبي بالنطق وفضيلة الكلام كي يتحاور مع بني جلدته, ويحل خلافاته معه بالكلام المنطقي والنقاش الحكيم والحوار الهادىء، لا بالعنف والأذى الروحي والجسدي. ولكن البشرية اليوم تواجه طوفاناً من موجات الكراهية، وعواصف الأناء المنغلقة التي لا ترى في الآخر سوى تمايزه واختلافه في دينه أو عرقه, لتجرده من بعده الروحي وتختصره في بعده الطيني، ليتحول إلى بشر من حيث الشكل، ووحش من حيث السلوك.

استحوذت الحروب الأخيرة ويلات مادية وأخلاقية على العالم, تكاد وحشيتها تفوق قساوة الحروب السابقة التي وثقت في التاريخ، ويعود ذلك لما يستخدم فيها من أسلحة متطورة مختلفة الأنواع، وهذا الأمر يسهم بتعقيدات الوضع الراهن لإعلان الحروب الباردة حيث يدفع الإنسان ثمن تجرد المجتمع الدولي من الإنسانية, ويعيش زمناً أصبح فيه الإنسان ذئباً لأخيه الإنسان. وقد كتب العالم الإيطالي وعالم الفيزياء كارلو روفايللي في كتابه “معاصر في العالم” (إن الحضارة الإنسانية قد لا تستمر).
إن أسوأ وصمة عار يمكن أن تلصق بإنسان القرن الحادي والعشرين هي إيذاء الناس لبعضها البعض وتحويل المجتمعات الى شرائع غاب تحلل فيها المحرمات، فالحرية والحاجات الجسدية، والرعاية الصحية، ومنع التجويع والتعذيب، ونحوها من أمثالها ومما يتفرع عنها، كلها حقوق ضرورية وطبيعية لكل كائن حي، ومطالبة الشعوب لها من حكوماتها أمر بديهي وإذا الدول التي تعيش حالاتها الشاذة تتلاعب في مصير ناسها تحت حجج واهية وتتلهى بشعارات لا تمت للواقع بصلة فحينئذ تصبح حقوق الإنسان عبارة عن نسخة مطورة لحقوق الحيوان.
تكررت النداءات والتوصيات باسم حقوق الإنسان للاعتراف بحق الزواج المثلي, وحق الحرية في العقيدة، ولو تجسدت تلك العقيدة في عبادة الشيطان, وبالحق في تغيير الجنس من ذكر الى أنثى ومن أنثى إلى ذكر. فهذا التركيز على حقوق الإنسان وإهمال كيانه وإهدار جوهره، وتضخيم البعد الفردي على البعد الجماعي لحقوقه ، يجعل العالم أمام إنسان الحقوق لا أمام حقوق الإنسان ويترك استغراباً حيال أسباب اختصار حقوق الإنسان الوجودية بشعائر شخصية نسبية.
إن قضية إنسانية الإنسان وسبب امتيازه وتفضيله, قضية مهملة أو مغيبة لدى ثقافة حقوق الإنسان. تلك القضية التي تبدأ بإنارة العقل وإضاءة الروح، فالعناية بهذا الكائن البشري أولى وأهم من العناية بحقوقه، لأنها أضيفت له واستحقها لكونه إنسانًا، وليس لأنه أحد الكائنات الأخرى، وإلا لوجب التحدث بنفس المنطق وبنفس الدرجة عن حقوق الحيوان، وحقوق الحيتان، وحقوق الشجر.
إن حال الإنسانية لاسيما في زمن العولمة المنفلتة والرأسمالية المتوحشة, جعل من الضرورة التّوعية المستمرة وبكل السبل الممكنة بالثقافة والأخوة الإنسانية وتعميمها على أوسع نطاق، بمختلف الوسائل العصرية، من أجل إعادة إنسانيّة الإنسان الى طبيعتها ومن أجل مستقبل الأجيال القادمة بحيث لا تلوّثُ نقاء رؤيتها أشلاء ودماء القتلى.
لابد من التوعية والتوجيه الصحيح إلى حقيقة الإنسان ونبل تكوينه, والإيجابية في التعامل بمحبة ورحمة لأيّ كان، وهنا يأتي دور المثقف والمفكر وكلِّ من يعرف معنى الإنسانية, والأهم التواصل والحضور في أي زمان وفي أي مكان ممكن أن يكون منبراً لصوت يصدح بالإنسانية وينشر رسائل الخير والمحبة والسلام, وكما قال الشاعر أديب زمانه أبو الفتح البستي: أقبل على النفس واستكمل فضائلها فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان.

سهيلة غلوم حسين
كاتبة كويتية
Suhaila.g.h@hotmail.com انستجرام suhaila.g.h تويتر suhailagh1


المصدر جريدة الوطن العُمانية

التعليقات


إضافة تعليق
التعليقات تخضع للرقابة قبل نشرها

آخر الأخبار

الأكثر قراءة