العقلية التحطيمية العربية

يقول سبينوزا “إذا وقعت مصيبة, لا تضحك ولا تبك, ولكن قم وفكّر”. بالتأكيد, فإننا نعيش أوضاعاً عربية رديئة تدعو إلى البكاء والحزن بالرغم من الفيلسوف الكبير, لكن الأوضاع بالفعل, بحاجة إلى التفكير. الأحوال العربية الراهنة ليست بفعل المؤامرة الخارجية فقط, ولا بفعل الأنظمة العربية وحدها, ولكن بفعل الأمراض المجتمعية المتفشية في الكثير من مجتمعاتنا. وإذا كان الدارس لأسباب الأحوال العربية الحالية, يحتاج إلى مجلدات كثيرة ليصفها, فإن هذه المقالة, ستركّز على مسألة واحدة , وهي هذه القدرة الكامنة لدى كثيرين على تحطيم الآخر, حيث أصبحت هذه الصفة, نمطا من العقلية السائدة في أوساط المثقفين , وفي التجمعات الحزبية, التي تدّعي التقدمية. فأمام الذات المصابة بالورم والأنا المتضخمة حدود الكون! يصبح جهد الآخر, التحليلي, السياسي, الاقتصادي, الاجتماعي التاريخي, جهدا “سخيفاً” لا ينفع , وإن نمّ هذا الجهد عن شيء, فإنما عن “ضحالة” صاحبه المعرفية. في وطننا العربي, يندر أن تجد نقداً موضوعيا لكتاب أو لتقرير عام, بل هو نقد تحطيمي في غالبيته, ينصب على إثبات قدرة الذات واستعراض العضلات المعرفية الناقدة , أكثر منه توجيها للنقد الموضوعي.
كتب صاحب هذه السطور في إحدى المرّات, أنه إذا ما كان هناك جمع من الناس, وطُرح سؤالٌ طبي, فإن الكل يتبارى للإفتاء بدايةً, رغم وجود الطبيب الحاضر, ولو كان حول الاقتصاد, الكل يجيب قبل الاقتصادي الجالس! في وطننا العربي, لا مجال للمتخصصين وأصحاب المعرفة, فالكل يفهم في كافة المواضيع, حتى لو كان الموضوع المطروح: “الحياة الاجتماعية لإحدى قبائل الكونغو”! في وطننا العربي, يذهب وفد رسمي لدولة ما, لبحث التعاون الاقتصادي معها مثلاً, تتم تسمية أعضاء الوفد من دون متخصص اقتصادي فيها مثلا, ودون متخصص في ذلك البلد! هذا ما يحصل, فالمسؤولون لدينا, هم أصحاب المعرفة وآبائها في كافة المواضيع, وهم من ذوي الحقائب الجاهزة دوماً للسفر( من قرنة إلى قرنة) في هذا العالم الواسع, باعتبارهم منجزي المهمات التي لا يستطيع غيرهم إنجازها, بغض النظر عمّا في ذلك من تباهي وبروزة ونرجسية مطلقة وعدم اعتراف بالآخر, بل يتوجب من وجهة نظر هؤلاء محاربة الآخر!. لذلك, فالعربي في المعظم عندما يتناول عملا منجزا لأحد معارفه, يتطرق إلى ما يعتبره,( محقا وفي الأغلب حاسداً) , مثالب هذا العمل, وبالتأكيد لا يتطرق إلى كلمة واحدة مادحة للعمل, أو للجهد المبذول لسنوات فيه. إنها العقلية التحطيمية المعششة في تلافيف دماغ الناقد/ النقاد المعني/ المعنيين.
في بلادنا العربية , لو كتب أفلاطون وأرسطو بحثا عن المنطق, دون أن يعرف الجمع أنهما كتباه, بل كتبه زميل لهم, لاعتبروا الموضوع خارج السياق, ولا علاقة له بالمنطق! في بلادنا العربية لو شارك ماركس وإنجلز ولينين وجرامشي وهوشي منه وماوتسي تونج في صياغة تقرير سياسي اقتصادي, دون أن يعرف الجمع أنهم كتبوه , بل كتبه زميل لهم, لنفى الجمع علاقة التقرير بالسياسة أو الاقتصاد! المهم أن كثيرين من الجمع ينتقدون بطريقة لا علاقة لها بالنقد الموضوعي. وربما بالفعل ينقد البعض التقرير المصاغ نقدا موضوعياً! المهم أن لا أحد لديه جديد إلا ما ندر. من زاوية أخرى, فإن كثيرين لا يكلفون أنفسهم قراءة التقرير المعني! ومع ذلك تنفتح أفواه هذا البعض بالنقد, (تماما مثلما قال مالك في الخمر!). البعض ينتقد مثلما قلنا دون قراءة, بل اعتمادا على ما ساقه إليه آخرون من زملائه في إبداء الملاحظات.
النقد بطبيعته يحمل معنيين: نقد موضوعي يضع يده على القضايا الصحيحة من أجل تطويرها, وهناك نقد تحطيمي انتهازي برينشتايني, وهذا بطبيعته عامل هدم وليس عامل بناء, وهناك أيضا فارق كبير بين النقد والانتقاد, الذي هو تصيّد مقصود لمطلق خطأ إنساني, بهدف تحطيم العمل. نعم إن هناك فرقا في الطريقة التي يجري بها تناول النقد, فإن كانت الطريقة تعبر عن توتر صاحبها, فهذا نقد تدميري, أما إن كانت هادئة وعلمية وعملية, فهذا نقد موضوعي للعمل. نعم, النقد البناء يستخدم أساليب علمية.. بينما النقد الهدام يقوم على مسخ قيمة العمل وتجريحه. كما أن النقد البنّاء يقوم على أسس علمية وإبداء النصيحة بين الكلمات, لأنه يهدف أولا وأخيرا الوصول إلى الحقيقة المجردة, كما يؤكد إيجابيات العمل في أفكاره المطروحة, النقد البناء يمكن أن يؤخذ به, ويمكن معارضته.. بينما النقد التحطيمي هو بمثابة الحكم النهائى غير القابل للنقض.النقد البناء يسعى إلى تطوير الأفكار ويفصلها الواحدة عن الأخرى.
وبالفعل كم يلزمنا وقتا طويلا, ومظاهر سلبية يتوجب الانتصار عليها, للتطور على طريق تحقيق الانتصارات.


المصدر جريدة الوطن العُمانية

التعليقات


إضافة تعليق
التعليقات تخضع للرقابة قبل نشرها

آخر الأخبار

الأكثر قراءة