استشارات غير صحية

متى ستبقى متحملا لهذه الآلام التي تجلدك بسياطها الموجعة ليل نهار ؟ ألم تجرب أنواعا شتى من الأدوية والعلاجات والوصفات من قبل أطباء في مستشفيات عامة وخاصة ومن عيادات شعبية كذلك؟ هل شعرت بأي تطور ايجابي أو نفع ملحوظ خفف من آلامك ؟ ألم تجر تشخيصا شاملا وآخر متطورا وثالثا ظل في جسمك أياما يراقب ويرصد الموقع الذي تظهر منه الآلام عساه أن يصل إلى مكمن العلة ويشخص نوع المرض وسببه ؟ حتى متى ستبقى على هذا الوضع المؤلم والمجحف في حقك وحق أسرتك وأحبائك وأنا منهم ؟ وهذا فلان جارك والآخر زميلك وثالث ابن عمك … جميعهم كانوا يعانون من نفس المرض الذي تعاني منه وكانت لديهم نفس الأعراض، توجهوا إلى المستشفى المعروف الذي بلغت سمعته الآفاق في البلد (….) ويسعى نحوه المرضى أفرادا وجماعات ويحرص حتى الأصحاء على إجراء الفحوصات الدورية فيه للاطمئنان على صحتهم، جميع هؤلاء استردوا عافيتهم وتخلصوا من المعاناة ومن الآلام المبرحة، فما عليك بعد ما ذكرته لك إلا أن تشمر عن ساعديك وتظهر العزم فتستعد للسفر والتوجه بأسرع وقت ممكن إلى هذا المستشفى الكبير، وأنا على استعداد لمرافقتك فخبرتي السابقة وعلاقتي التي أقمتها في ذلك البلد واتقاني لغة القوم وصلتي القوية بك وخوفي على صحتك، جميعها أسباب جوهرية تفرض علي مرافقتك، وسوف أخطوا الخطوة الأولى لتنفيذ مهمة السفر فأجري عملية حسابية لإجمالي التكلفة من تذاكر وإقامة ومأكل لشخصين، والعلاج، والترفيه الذي يظل ضروريا بعد الشفاء، بعد محاضرة دعمت بالمبررات والحيثيات والوعود وبعد أخذ ورد ومناقشات مطولة وافق المسكين على السفر، ومن أجل تغطية تلك المصاريف تقدم بطلب قرض من أحد المصارف على أن يستقطع المصرف جزءا من راتبه الشهري الصغير لتسديد قيمة القرض، وبدأ رحلة العلاج القاسية.
تحمل مشاكل الدين وأعبائه ومشقة السفر ووحشة الغربة بعيدا عن الأهل والولد وعناء الآلام المبرحة الناتجة عن المرض الذي تضاعفت أعراضه خلال رحلة السفر ومتاعب نفسية خانقة لإحساسه بأن رحلة العلاج المزعومة مفروضة عليه نتيجة إلحاح وضغوط متواصلة من الأهل والأصدقاء ومن أناس ما فتئوا يحشرون أنوفهم في كل ما كبر شأنه وصغر، أولئك هم أصحاب الفتوى المعلبة في شتى التخصصات والمجالات، الاستشارات الصحية والقانونية والدينية والاقتصادية والسياسية … الذين يعرضون خدماتهم ويقدمون الفتاوى المجانية دون طلب مسبق، إلى جانب ذلك فإن القلق ما فتئ يراوده لأن الاستشارات التي تلقاها عن أطباء يمتلكون الخبرة المشهود لها والتخصص نصحوا بأهمية أن تبقى الحالة أمام أنظارهم للمزيد من التشخيص والمراقبة حتى تتضح الرؤية ويستقر الرأي الطبي على نوع المرض والطرق الفاعلة لمعالجته، لتتبين مدى الحاجة بعد ذلك إلى العلاج خارج البلاد من عدمه، بمعنى أن سفره وانتقاله إلى مستشفى آخر لم يتم على ضوء استشارة ونصيحة من أطبائه في المستشفى الذي كان يعالج فيه .
يعيش المريض معاناة حقيقية جراء التدخلات المتتالية والأمثلة والمقارنات والقصص والمشاهد المخيفة التي يعرضها عليه الآخرون والاستفسارات التي لا تنتهي عن نوع المرض وأسبابه وأعراضه وكيف كانت بدايته وعن حجم الآلام التي يشعر بها وعن سير العلاج، والتي يكرر الإجابة عليها مرات في اليوم الواحد، وما يعقب ذلك من استشارات مجانية كل يدلوا فيها بدلوه تمتزج تلك الاستشارات بعشرات الأمثلة المشابهة لأناس كانوا يعانون من نفس المرض فاستردوا عافيتهم بعد سفرهم للعلاج إلى المستشفى المشهور أو زيارتهم لعيادة خاصة أو تناولهم لوصفة شعبية أو علاجهم بالكي أو الحجامة … آراء وأفكار ونصائح تشوش الفكر وتوجد البلبلة والضيق وتؤدي إلى قرارات متسرعة وغير صحية في الكثير من الأحيان.

Saud2002h@hotmail


المصدر جريدة الوطن العُمانية

التعليقات


إضافة تعليق
التعليقات تخضع للرقابة قبل نشرها

آخر الأخبار

الأكثر قراءة